علي الهجويري

272

كشف المحجوب

ينزلوا إلى الأرض . ويكونوا خلفاء فيها ويصلحون أحوال الناس ، ويحكموا بين الناس فاختاروا ثلاثة منهم ، ولكن قبل أن يصلوا إلى الأرض رأى أحدهم فسادها فسأل اللّه تعالى أن يرجع ، ولما وصل الاثنان غير اللّه طبائعهما حتى شعرا بالجوع وابتليا بشهوتهما ، فعاقبهما اللّه تعالى على هذا ، إذ شاهدوا فضل بني آدم على الملائكة عيانا . وبالاختصار فخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة ، وعلى ذلك فيكون المعصومون من بني آدم المحفوظون من المعصية أرقى درجة من جبريل وميكال ، والذين حافظوا على الشرع الشريف يكونون أرقى من الحفظة والكرام الكاتبين . وقد قال العلماء في هذا المعنى أقوالا كثيرة : واللّه تعالى يهب الفضل لمن يشاء على ما يشاء . وهذا هو مذهب الحكيمية في التصوف ، واختلاف المتصوفة معهم أوردته على سبيل الاختصار والتخفيف . ويلزمك أن تعرف : أن الولاية من أسرار اللّه تعالى ، التي لا تكشف إلا بعد الممارسة ، لأنه لا يعرف الولي إلا ولى ، لو كان هذا الأمر مشاعا صار من المستحيل أن تفرق بين الصديق والعدو ، وبين الواصل والغافل ، لذلك فاللّه سبحانه وتعالى ، أراد بأن يجعل جوهرة محبته في صدفة محتقرة هي الخلق ورماها في بحر المصائب ، حتى يبذل طالبوها النفس والنفيس في البحث عنها وذلك لعظمتها ، حتى يلجئوا إلى غوص البحر ، وهناك إما أن ينالوا ما يطلبون ، وأما ان تنتهى مدة أحوالهم في هذه الدنيا . وكنت قد أردت أن أطيل في هذا الأمر ، ولكن خوف الملامة ونفور الطبع منعانى حتى سقت العنان نحو الاختصار . وقد يكون هذا المقدار مقبولا لمن يدقق النظر . الخرازية : هم أتباع أبي سعيد الخراز ، الذي له تآليف عالية في التصوف ، وبلغ درجة عالية في التجريد من الدنيا . وهو أول من بين حقيقة الفناء والبقاء ، وبنى أساس مذهبه على هاتين العبارتين « 1 » . وسأبين لك معناهما وأوضح لك

--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ج 1 ص 211 / 213 ففيها شرح عن حال الفناء والبقاء .